محمد متولي الشعراوي
2667
تفسير الشعراوى
« وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ » ونعلم أن الكلمة إذا أطلقت في عدة مواضع فهي لا تأخذ معنى واحدا . بل يتطلب كل موضع معنى يفرضه سياق الكلام ، فإذا قال اللّه تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ( من الآية 106 سورة آل عمران ) فذلك لأن الوجه هو العضو المواجه الذي توجد به تميزات تبيّن وتوضح ملامح الأشخاص . لأننا لن نتعرف على واحد من كتفه أو من رجله ، بل تعرف الأشخاص من سمات الوجوه . وعندما نسمع قول الحق : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ( من الآية 88 سورة القصص ) فإننا نتساءل : ما المراد بالوجه هنا ؟ إن أردنا الوجه الذي يشبه وجوهنا فهذا وقوع في المحظور ، لأن كل شئ متعلق باللّه سبحانه وتعالى نأخذه على ضوء « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » نقول ذلك حتى لا يقولن قائل : ما دام وجه اللّه هو الذي لن يهلك يوم القيامة فهل تهلك يده أو غير ذلك ؟ . لا ؛ إن الحق حين قال : « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » فالمقصود بذلك ذاته فهو سبحانه وتعالى منزه عن التشبيه وسبحانه القائل : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ( من الآية 115 سورة البقرة ) إذن فوجه اللّه - هنا - هو الجهة التي يرتضيها ، والإنسان يتجه بوجهه إلى الكعبة في أثناء الصلاة . وإياك أن تظن أنك حينما تولى وجهك صوب الكعبة أنها وجه اللّه ؛ لأن اللّه موجود في كل الوجود ، فأي متجه للإنسان سيجد فيه اللّه ، بدليل أننا نصلى حول الكعبة ، وتكون شرق واحد وغرب آخر ، وشمال ثالث ، وجنوب رابع ، فكل الجهات موجودة في أثناء الطواف حول الكعبة وفي أثناء الصلاة ، والكعبة موجودة هكذا لنطوف حولها ، ولتكون متّجهنا إلى اللّه في جميع الاتجاهات .